الشيخ محمد هادي معرفة

251

التفسير الأثرى الجامع

متداوم ، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ، ويستمدّ منه قيمه وموازينه ، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين . قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ وهذا توكيد لقيامه - سبحانه - على كلّ شيء وقيام كلّ شيء به ، على دوام واستمرار ، ومن غير قصور ولا فتور . وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلّياته وجزئيّاته ، في كلّ وقت وفي كلّ حالة ، حقيقة هائلة ، حين يحاول الإنسان تصوّرها ، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عدّ من الذرّات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ، ويتصوّر - بقدر ما يملك - قيام اللّه - سبحانه - عليها ، وتعلّقها في قيامها باللّه وتدبيره في كلّ آن ، إنّه أمر ، أمر لا يتصوّره الإدراك الإنساني ؛ وما يتصوّره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس ، ويحيّر العقول ، نعم ، وتطمئنّ به القلوب ! لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكيّة شاملة ، كما أنّها ملكيّة مطلقة ، ملكيّة لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة . وهي مفهوم من مفاهيم الالوهيّة الواحدة ، فاللّه الواحد هو الحيّ الواحد ، القيّوم الواحد ، الملك الواحد ، وهي نفي للشركة في جميع أنواع صورها الّتي ترد على الأذهان . كما أنّها ذات أثر في إنشاء معنى الملكيّة وحقيقتها في دنيا الناس ، فإذا تمحضت الملكيّة الحقيقيّة للّه ، لم يكن للناس ملكيّة ابتداء لشيء . إنّما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الّذي يملك كلّ شيء . ومن ثمّ وجب أن يخضعوا في خلافتهم ، لشروط المالك المستخلف في هذه الملكيّة ، وإلّا بطلت ملكيّتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف ، ووقعت تصرّفاتهم باطلة ، بل وغصبا حيث وقعت تصرّفاتهم من غير إذن من المالك الأصلي ، الشاهد على الأحوال . وهكذا نجد أثر التصوّر الإسلامي في التشريع الإسلامي ، وفي واقع الحياة العمليّة الّتي تقوم عليه . فحينما يقول تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، فإنّه لا يقرّر مجرّد حقيقة تصوّريّة